الرئيسية / تقارير و استطلاعات / “بنماليكس”..حرب وثائق أم وثائق حرب؟

“بنماليكس”..حرب وثائق أم وثائق حرب؟

panama-600x330

نورالدين قلالة-[islamonline]-[البشرى]: كثيرون من الذين سمعوا أو قرؤوا عن ما اصطلح على تسميته بـ”وثائق بنما” سيلجؤون لإصدار أحكام مسبقة على العملية ،سيتحدثون عن كونها مجرد زوبعة في فنجان ،وسيقولون أنها مؤامرة دولية لإحداث فوضى عالمية تشكك في كل شيء ،بل أن البعض قد يضعها في سياق “كذبة أبريل” ويتعامل معها بمنطق “اللاحدث” بحكم أن مفعولها السحري سيتلاشى بعد عدة أشهر أو ربما أسابيع ،ويكون مصيرها مصير مثيلتها “ويكيليكس”. كما قد ينعتها البعض بأنها زلزال عالمي مدمر توابعه ستستمر لسنوات وسيحدث ثورات كبرى تعادل الاكتشافات العلمية و الانقلابات السياسية وستغير دون أدنى شك العديد من المفاهيم والممارسات.

في كل الأحوال ،ومهما قيل عن “وثائق بنما”فهي تشكل ظاهرة عالمية جديرة بالدراسة ،لأنها تأتي بعد خمس سنوات من تسريبات ويكيليكس، وبعد 45 سنة من تسريبات دانيال إيلسبرغ لـ”وثائق البنتاغون” بشأن حرب فييتنام. ويصاحب هذه الوثائق في كل مرة كم هائل من الفضائح والاتهامات والأدلة التي لا تستثني أحدا مهما كان وزنه أو نفوذه في المجتمع. وعليه يمكن أن نبحث جملة من الأفكار التي قد تساعدنا في تحليل هذه الظاهرة وتشرح أهدافها وخلفياتها:

– أولا أن ظاهرة الكشف عن قضايا الفضائح ليست سرية كما قد يهيأ للبعض أنها كذلك ،بل تصنعها مؤسسات قائمة بذاتها أو شخصيات معروفة ،إعلامية سياسية أو استخبارية. حدث ذلك مع إدوارد سنودن وتسريبات ويكيليكس ،ويحدث اليوم مع “وثائق بنما” التي بدأت منذ أكثر من عام، عندما اتصل شخص ما بصحيفة “دويتشه تسايتونج” الألمانية، عارضا عليها جبلا من المعلومات المسربة من شركة يقع مقرها في بنما تدعى “موساك فونسيكا”، قالت أنها متخصصة في مساعدة الأثرياء وذوي النفوذ وإخفاء أموالهم في الظل بعيدا عن أعين الضرائب.

– أن هذه الظاهرة لم تعد غريبة على المجتمع الدولي وبدأت تدريجيا في تشكيل العقل العالمي وقياس درجة استعداده لتقبل ما تكشف عنه ،فقوة تسريبات “وثائق بنما” حوالي 2.5 تيرابايت ،وهو ملف ثقيل جدا ،يتألف من حوالي 12 مليون وثيقة ،كشفت معلومات عن 72 من زعماء العالم الحاليين والسابقين قالت أنهم استخدموا خدمات الشركة المذكورة ،فضلا عن شخصيات أخرى سياسية ورياضية وفنية. كما كشفت عن وجود مئات الآلاف من الشركات بالخارج ترتبط بأشخاص في أكثر من 200 دولة ومنطقة في العالم برمته. وتحتوى الوثائق على رسائل بريدية وحسابات بنكية وسجلات عملاء يعود تاريخها إلى 40 عاما. والحقيقة أن هذا الكم الهائل من الوثائق تخجل منه تسريبات ويكليكس وإدوارد سنودن الذي أصاب العالم بصداع نصفي بسبب اكتشافاته التي تجاوزت المليون بقليل.

– أنها تسير نحو التحول إلى محاكم عالمية تضع الجميع في قفص الاتهام ،وهذا يجنبها أصلا مسألة اتهامها هي نفسها بأنها ضد مجتمع ما ،كأن تكون موجهة ضد العرب مثلا أو الأفارقة أو ضد دول غربية معينة أو الصين أو روسيا أو الهند. لكن بنظرة سطحية بسيطة نجد أن أكثر الدول والشخصيات المتورطة تنتمي إلى دول العالم الثالث ،لكن ذلك أيضا قد يكون مؤشرا على حجم الفساد الذي يسيطر على تلك المناطق.

– عملية تجميع المعلومات كانت عملا جماعيا في وثائق بنما خلافا لويكيليكس ،حيث تمت من خلال مؤسسة معروفة هي “الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين”،الذي أحدث من خلال عملية “وثائق بنما” انقلابا حقيقيا في مجال الصحافة الاستقصائية وأرسى معايير جديدة في التعاون الصحافي حول العالم ورفعها إلى درجة عالية. وجعل التحقيق الإستقصائي يتسع ليشمل العالم كله ،فقد قضى 370 صحافيا من 80 دولة سنوات وهم يعملون على مشروع واحد ، بل إنهم قضوا سنة كاملة فقط في اتمام عملية فحص الوثائق ،وهذا أمر لا يصدق في العمل الصحفي المتعارف عليه.

– عندما تكشف وثائق بنما عن شركات سرية خارجية لزعماء عرب سابقين أو حاليين ترتبط بصلات مع الرئيس السوري بشار الأسد ،أو القائد الليبي الراحل معمر القذافي،أو الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك..لا يشكل الأمر مفاجأة كبرى ،حتى وإن دعمت ذلك بأدلة ،لأن الفساد مصطلح نلوكه صباح مساء في بلداننا من أعلى هرم في السلطة إلى أبسط حارس ليلي في مدرسة أو مؤسسة نفطية. لكن السؤال هل يقود الكشف عن هذه الوثائق إلى تغيير ما؟ فعندما كشفت ويكيليكس قصة حفل باذخ في تونس أقامه صهر الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ،شمل جلب آيس كريم من فرنسا بالطائرة ،ساعد ذلك على تأجيج غضب أطاح بديكتاتور قرطاج.

– الثقة في المؤسسات التي تقف وراء نشر الوثائق السرية أو الأشخاص الذين يقودونها أمر ذو وجهين: الأول أن المتلقي لا يجب أن تسيطر عليه دوما نظرية المؤامرة فهناك فعلا جهات تسعى من أجل نشر الحقيقة. والثاني أنه من المحتمل أن تكون هذه التسريبات عبارة عن مغالطات خطيرة وخرق لنظام ديمقراطي لدول أو ممالك أو اعتداء على خصوصية شخصيات معينة أرادوا فقط التأمين على أموالهم في ظل تدهور الاستقرار الأمني في منطقتهم. كما أن فرضية وجود أسماء زعماء وقادة دول لا يعني بالضرورة وجود عمليات مشبوهة.

– يعتقد البعض – وهو اعتقاد مشروع- أن الهدف من وراء تسريب هذه الوثائق هو ضرب الرئيس الروسي بوتين وقادة دول عربية وأجنبية معينة ،وأنه رسالة تهديد أمريكية للجميع بأن الولايات المتحدة لا تزال تقود العالم ،ومن يخرج عن الصف سيعاقب بالكشف عن كل أسراره وخباياه وينشر غسيله في بنما . خاصة وأن عددا كبيرا من أسماء الشخصيات والشركات التي جرى الحديث عنها ،أسماؤها مدرجة أصلا في القائمة السوداء من قبل الحكومة الأمريكية. وهذا يقودنا للعودة من جديد إلى نظرية المؤامرة ،بأن جهات خفية تقف وراء التسريبات لتحقيق مصالحها ،أو على الأقل رفع التسريبات كورقة ضغط في وجه الدول والزعماء الذين ترى فيهم تهديدا لأمنها ومصالحها.

– تقول صحيفة “دويتشه تسايتونج” الألمانية التي أعطت نسخة من الوثائق إلى الاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين، أن مصدر هذه الوثائق شخص مجهول ،ومن جانبه أكد الاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين أن مصدر الوثائق شخص واحد. بقاء هذا الشخص مجهولا مسألة يمكن تفهمها ،لأنه من المؤكد أنه كان قلقا على حياته إن كشفت هويته فيحدث له ما حدث ويحدث لسنودن. أما مسألة أن يكون هذا الشخص وحيدا فمن الصعب تفهمها. كيف يمكن أن يكون شخص واحد مصدرا لحوالي 12 مليون وثيقة ولا يكون وراءه مؤسسة كبرى تدعمه أو حزب يموله أو دولة ترعى مصالحه وتدفعه للقيام بذلك؟!

في الأخير يحق لنا أن نتساءل: لماذا يخرج إلينا في كل مرة شخصيات ومؤسسات تتحدث عن الفساد المالي فقط؟ لماذا لم نسمع عن وثائق رؤساء ومسؤولين في دول غربية ارتكبوا مجازر في دول أخرى ،لماذا لا وجود لوثائق زعماء خاضوا حروبا ودمروا مجتمعات كاملة وساهموا في حصار مدن وعائلات حتى ماتت جوعا وعطشا؟

وهل الكشف اليوم وثائق بنما عبارة عن حرب بين مؤسسات دولية تتصارع فيما بينها للكشف عن فضائح متعاملي كل منها للإطاحة بهم، ولخدمة الحكومات أو الأنظمة الكبرى التي تمولها ،أم أن هذه الوثائق في حد ذاتها وقود لحرب مقبلة ستبدأ مؤشراتها في الظهور مع البدء في الخوض في أدق تفاصيل التسريبات التي يبدو أنها سترغم ضحاياها على هجر التكنولوجيا التي زجت بأسمائهم في قائمة الفساد.

عن مجلة البشرى الإلكترونية

شاهد أيضاً

تقرير – 20 الف امريكي يدخلون الاسلام سنويا نصفهم يرتد لهذه الاسباب

فرصة للمشاركه بالتعريف بالاسلام في بلاد العم سام 20 الف امريكي يدخلون الاسلام سنويا نصفهم …