الرئيسية / مركز الدراسات / كتابة السيرة بين منهج المستشرقين ومنهج علماء الإسلام

كتابة السيرة بين منهج المستشرقين ومنهج علماء الإسلام

2014-635412264203680430-368

إسلام ويب-[الدكتور عبدالله عطا عمر]: السيرة النبوية هي التطبيق العملي والتفسير الواقعي لهذا الدين، فهي أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، التي تدل على تطبيقه لهذا الإسلام، والمفسرة لهذا القرآن، وهي التي تفتح لنا الباب لتطلعنا على حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم بدقائقها وتفاصيلها، منذ ولادته وحتى وفاته، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(الأحزاب:21)، فهي المبينة والمفسرة للقرآن الكريم، من الجانب العملي، وهي بهذا المعنى تساعد على فهم كتاب الله تعالى، لأن فيها أسباب النزول، وتفسير الكثير من الآيات.

مصادر السيرة النبوية:

من أهم مصادر السيرة: القرآن الكريم، الذي اشتمل على الكثير من الأحداث في العهد المكي والعهد المدني، والأحاديث النبوية الشريفة، التي تتحدث عن أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، أو صفاته الخلقية والخُلقية، والتي تحوي الكثير والكثير من أحداث السيرة العطرة، ومعظم هذه الكتب فيها باب الجهاد والسِيَّر، أو المغازي، وكتب الشمائل التي تضمنت أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه، وصفاته وعاداته وفضائله، وأشهرها كتاب الشمائل للإمام الترمذي. ثم كتب السيرة والتاريخ، حيث صنّف بعض المؤلفين والمؤرخين كتباً مستقلةً جمعت أحداث السيرة وغزوات المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبعوثه وسراياه، وما جرى معه صلى الله عليه وسلم من أحداث خلال مراحل دعوته وحياته. فالسيرة النبوية تشكل المحور الذي تدور عليه حركة التدوين لتأريخ الإسلام في الجزيرة العربية، بل هي العامل الذي أثر في أحداث الجزيرة أولا، ثم أحداث سائر العالم الإسلامي ثانياً.

مناهج كتابة السيرة النبوية عند علماء المسلمين:

من المؤرخين من يعتمد المنهج التاريخي في كتابة السيرة والأحداث، وذلك بأن يكتب السيرة بأحداثها وترتيبها ترتيباً زمنياً حسب وقوعها، وتسلسلها الزمني، فيذكرون أحداث السنة الأولى، ثم الثانية، وهكذا. ومن الذين نهجوا هذا النهج الإمام ابن جرير الطبري، والإمام ابن الأثير وغيرهم. ومنهم من اعتمد المنهج التحليلي، وهو ألا يكتفي بسرد أحداث السيرة أو ترتيبها زمنياً، إنما يغوص في نصوص الأحداث يتأملها ويستلهم منها العبر والعظات والدروس، ومنهم من يعتمد المنهج الموضوعي للسيرة، بأن يجمع المعلومات والأحداث المتعلقة بموضوع واحد، ليعطي فكرة متكاملة شاملة عن هذا الموضوع، كمن يأخذ مثلاً الجانب التربوي في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم، أو الجانب العسكري، أو الجانب الاجتماعي، أو الجانب الفقهي، وغيره، وقد صُنفت كتب كثيرة، قديماً وحديثاً خاصة فيما يتعلق بالغزوات وتفصيلاتها، ومنهم من اعتمد المنهج الشعري، بأن ينظم أحداث السيرة بقصيدة.

الفرق بين منهج المحدثين ومنهج المؤرخين في تتبع أحداث السيرة:

لا شك في وجود فرق كبير بين رواية (الحديث) ورواية (الأخبار الأخرى)، فالأولى تُبنى عليها الأحكام وإقامة الحدود، فهي تتصل مباشرة بأصل من أصول التشريع، ومن هنا تحرّز العلماء – رحمهم الله – في شروط من تؤخذ عنه الرواية. أما بالنسبة لرواية الأخبار، فهي وإن كانت مهمة – لاسيما حينما يكون مجالها الإخبار عن الصحابة – إلا أنها لا تُمَحَص كما يُمَحص الحديث هنا، فلا بد من مراعاة هذا القياس على الإخباريين. وعليه فمنهج المحدثين وإن لم يطبق تماماً على الروايات التاريخية، لكنه قدم خدمة عظيمة جليلة، تتمثل في التحري والتدقيق والتحقيق والنقد، فأضاف الكثير وجمع التاريخ الصحيح المبني على الأصول والقواعد، البعيد عن الأهواء، والنزعات. ولم يكن التاريخ في الحقيقة إلا ميداناً من ميادين علم الحديث، ولم يكن منهج النقد فيه إلا منهج نقد المحدثين نفسه، ولم يكن مشاهير المؤرخين غالبا إلا رواة الحديث ونقاده.

منهج المستشرقين في فهم وكتابة السيرة والتاريخ:

المستشرقون تربوا على الثقافة الغربية وطرقها في التفكير والنظر للأمور، وتشبعوا بروح الفكر المادي العلماني، وحين أخذوا في دراسة السيرة النبوية وتاريخ الإسلام، تأثروا بهذه العقلية فضلوا بذلك ضلالاً بعيداً، لأن منطق التفكير الأوروبي لا يمكن أن يأتي بنتائج صحيحة في تاريخ الأنبياء والرسالات الإلهية التي ظهرت في الشرق، وكان تأثيرها الخاص في تاريخه وحضارته عميقاً. وإذا نظرنا في آرائهم الجديدة التي أتوا بها، لا نجد إلا خلطاً وخبطاً، والذين حاولوا ترجمة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بطريقة علمية لم يتفقوا على أي نقطة مهمة، ونسوا أنه كان عليهم قبل كل شيء أن يسدوا الهوة السحيقة التي تفصل بين عقليتهم الغربية وبين الأشخاص الشرقيين الذين يترجمونهم، وأنهم بدون هذه الملاحظة جديرون بأن يقعوا في الوهم في كل نقطة. فمعظم المستشرقين ينكرون نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه تلقى رسالة اللَّه عن طريق الوحي، وإنكارهم هذا يعد تعنتاً ومكابرة مبعثها التعصب الديني. وينكرون أيضاً كون القرآن منزلا من عند اللَّه تعالى، ويردون ذلك إلى ذكاء النبي صلى الله عليه وسلم وعبقريته. وينكرون كذلك كون الإسلام دين اللَّه تعالى، بل يزعمون أنه من وضع محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ملفق من الديانتين اليهودية والمسيحية، ومن الوثنية العربية الجاهلية.

طريقة المستشرقين في تتبع أحداث السيرة النبوية:

تقوم على ما يلي: انتقائية الاختيار، فلا يعتمدون منها إلا من المصادر التي تساير أهدافهم. والتحيز الذي ينم عن الحقد والعداء ضد الإسلام. والتركيز على بعض الحوادث وتضخيمها، وإهمال الكثير من الحقائق الأخرى. والطعن وإطلاق الكثير من الأحكام الخطيرة في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وشريعته دون أي دليل. والإفراط في استخدام المنهج المادي التجريبي ومعاييره في بحث كثير من الأحداث والأمور الغيبية. وتفسير الوقائع والأحداث بطريقة غير موضوعية تتناسب مع أهدافهم. واعتمادهم على مصادر وروايات ضعيفة للوصول إلى أهدافهم، اعتماداً على منهج الغاية تبرر الوسيلة. وتفسير الكثير من آيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم تفسيراً خاطئاً بما يتوافق مع أهدافهم ويحقق لهم الشبهات، وعدم الاهتمام بأقوال المفسرين والمحدثين لفهم حقيقة المعنى.

نتيجة المقارنة بين منهج المسلمين ومنهج المستشرقين في كتابة السيرة:

من هنا يظهر الفرق بين منهج المسلمين ومنهج غيرهم في كتابة السيرة في تفسير كل فئة من هؤلاء للحياة وما ينتج عنها، فالتفسير الإسلامي ينبثق من تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان، فالإسلام يقوم على الإيمان بالله تعالى، وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وهو لا يخرج عن دائرة المعتقدات الإسلامية، وهو مبني على فهم دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الأول، مما يجعل حركة التاريخ الإسلامي ذات طابع متميز عن حركة التاريخ العالمي، لأثر الوحي الإلهي فيه، وهو ليس تفسيراً تبريرياً بل تبرز فيه خصائص الإيمان المستعلي على ما سواه، كما أنه ليس تفسيراً مادياً يحصر المؤثرات على حركة التاريخ البشري، في العوامل المادية كتبدل وسائل الإنتاج كما في الفكر الماركسي، أو التفسيرات المعتمدة على أثر البيئة الخارجية، من مناخ وجغرافية واقتصاد، كما في الفكر المادي الغربي، بل هو يوضح دور الإنسان ومسؤوليته عن التغير الاجتماعي والتاريخي في إطار المشيئة الإلهية، وكذلك فإنه ليس عنصرياً يركز على دور شعب بعينه، بل يُقوم دور الشعوب الإسلامية وفق حجمها وعطائها الحقيقي، كما أنه ليس طائفياً يوجه التاريخ لخدمة مذهب معين أو طائفة على حساب الحقائق التاريخية.

أهم رواة الأخبار التي يعتمد عليها المستشرقين:

يعتمد المستشرقون في تاريخ السيرة على عدد من المؤرخين، أجمع علماء المسلمين على عدم صحة رواياتهم، ومن أهمهم: محمد بن السائب الكلبي (ت 146هـ) شيعي، متروك الحديث، ليس بثقة. أبو مخنف لوط بن يحيى (ت157هـ) قال يحيى بن معين فيه: “ليس بثقة، وقال ابن عدي: “هو شيعي محترق، صاحب أخبارهم، وإنما له من الأخبار المكروهة الذي لا أستحب ذكره، وقال ابن حجر العسقلاني: “أخباري تالف، لا يوثق به. وسيف بن عمر التميمي (ت180هـ) أخباري اتهمه أئمة النقد بالوضع في الأخبار، ومن ثم تركوا مروياته، ومع ذلك فإن النقول عنه في أخبار الردة والفتوح كثيرة، ولم يتعرض لأخبار السيرة النبوية إلا نادراً، ولم يرو أحاديث نبوية إلا نادراً. ونصر بن مزاحم (ت212هـ) قال عنه الذهبي: رافضيٌ جلد، تركوه، وقال العقيلي: شيعي في حديثه اضطراب وخطأ كثير. وقالأبو خيثمة: كان كذاباً. وقال أبو حاتم: واهي الحديث، متروك. وقال الدارقطني: ضعيف. وقالالعجلي: ليس بثقة ولا مأمون. وقال الخليلي: ضعفه الحفاظ جداً، وذكر له ابن عدي أحاديث وقال: هذه وغيرها من أحاديثه غالبها غير محفوظ. هذا والله تعالى أعلم.

عن مجلة البشرى الإلكترونية

شاهد أيضاً

النجاة ولجانها تطرح مشروع الأضاحي لهذا العام بقيمة 70 ألف دينار

أكد رئيس لجنة زكاة كيفان التابعة لجمعية النجاة الخيرية الشيخ عود الخميس أن مشروع الأضاحي …