الرئيسية / تاريخ وحضارة / المغرب فجر الإسلام .. تحول حضاري عميق وميلاد مجتمع جديد

المغرب فجر الإسلام .. تحول حضاري عميق وميلاد مجتمع جديد

المغرب فجر الإسلام .. تحول حضاري عميق وميلاد مجتمع جديد

وكالات-[hespress]-[البشرى]: يعود اكتمال فتح المغرب من طنجة إلى سوس ودرعة، إلى موسى بن نصير وابنه مروان. ولم يشمل الفتح مدينة سبتة التي كانت شديدة التحصين وكان يحكمها جليان النصراني الذي كانت تأتيه الإمدادات عبر البحر من اسبانيا القوطية، والظاهر أن جليان نفسه كان لبقا في تعامله مع الفاتحين الذين خففوا عليه الحصار، بل اعتبروه حليفا فيما بعد.

“الفتح الإسلامي” يضح نفسا جديدا

وفي ذلك دليل قاطع على غياب أي مشروع إسلامي كان يرمي إلى إبادة نصارى إفريقيا الشمالية وفرض الإسلام بحد السيف. وقد توالى انضمام الأمازيغ إلى جيش الفتح الإسلامي بشكل ملحوظ ومتزايد، مما يعنى دخولهم إلى الإسلام وتخليهم عن معتقداتهم السابقة. وكل ما قيل عن بطش موسى بن نصير في صفوف القبائل الأمازيغية لا يخلو من تشويه متعمد ومبالغات تلفيقية.

والواقع أنه كان يحرص على انتهاج سياسة تصالحية تسعى لبناء الثقة والتعريف بحقيقة الرسالة المحمدية. وهذا يتضح بدون عناء عندما نعلم أنه ترك طارق بن زياد الأمازيغي واليا على طنجة وترك بجانبه فريقا من رجال العرب أسند إليهم مهمة تعليم القرآن الكريم للسكان الأصليين، وكان ذلك في بداية القرن الثامن الميلادي.

ولم تمض سوى بضع سنوات حتى تشكلت نواة جيش أمازيغي مغربي إسلامي تحت قيادة طارق بن زياد وطريفة بن مالك. وقد بلغت دفعته الأولى حوالي 7000 مقاتل لم يكن من بينهم سوى 300 مقاتل من العرب. وهذا الجيش هو الذي انطلق كالسهم في اتجاه أوربا ففتح الأندلس سنة 711م واخترق جبال البرانس سنة 718م إلى أن وصل إلى قلب فرنسا (بواتيي) سنة 732م.

إن هذه الأعوام القليلة جدا قياسا إلى حياة الشعوب كانت كافية لتجعل من المغرب فاعلا في التاريخ الحضاري الإنساني بعدما كان لمدة قرون خلت مفعولا به …! ويرجع فضل ذلك بكل تأكيد إلى راية الإسلام التي أعطت نفسا جديدا للروح المغربية فأفرزت عبقريتها وطبعت هويتها.

وبعد الفتح الإسلامي مباشرة لم تعد المصادر التاريخية المسيحية تذكر المغرب إلا نادرا. بل تبين من خلال بعض النقوش الجنائزية القليلة أن التواجد المسيحي بالمغرب كان فعلا نسبيا جدا وأن علاقته بالسكان المحليين يلفها كثير من الغموض. وآخر النقوش الجنائزية المسيحية التي تم العثور عليها في مدينة وليلى كانت تحمل تواريخ 599م، و605م، و653م، و655م، وتوحي قراءتها بوجود تنظيم سياسي وإداري على النمط الروماني يبدو أنه كان قائما هناك حتى الفتح الإسلامي.

ولكن حتى وإن كانت هذه المصادر شحيحة بالإضافة إلى تعاملها مع الموضوع تعاملا غالبا ما كان يفتقد إلى الموضوعية فإنه مما لاشك فيه أن المسيحية تركت بصماتها في مقاطعات شمال إفريقيا التي تعودت منذ قرون على أسلوب الحضارة الرومانية المسيحية في علاقاتها الخارجية، وعلى هذا الأساس فإنها في الواقع كانت جزءا من الحضارة الغربية.

ولما جاء الفتح الإسلامي انقلب هذا النسق رأسا على عقب، ووقعت القطيعة نهائيا مع المرجعية المسيحية في أبعادها الحضارية، وأصبحت الأنظار تتجه إلى المشرق بحمولته الدينية الجديدة، وانعكس هذا التوجه على المصطلحات الجغرافية الرومانية في شمال إفريقيا التي لم تعد صالحة لمسايرة المد الحضاري الحديث العهد. فظهرت مصطلحات المغرب الأدنى، والمغرب الأوسط والمغرب الأقصى. وهي تعني إعادة تحديد المجال الجغرافي المغاربي اعتمادا على المسافة الفاصلة بينه وبين المشرق الحضاري الذي أملى هذا التقسيم الجديد.

ولكن المسألة لم تعد مجرد مسألة مصطلحات أفرزها نظام أجنبي بسط نفوذه على المغرب، إن الحدث كان بمثابة منعطف تاريخي غير مسبوق: فالعلاقات المغربية الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية والدينية التي كان الغرب المسيحي يتحكم في رسم معالمها، أصبحت في فجر الإسلام تحت تأثير الشرق الإسلامي دينيا ودنيويا. وهذا هو جوهر التحول الحضاري العميق الذي تمخض عنه ميلاد مجتمع مغربي جديد، وهو المجتمع الذي تطور تدريجيا من أجل اكتمال مؤهلاته، وأضحى خلال حقبة زمنية قصيرة نسبيا في وضع مريح مكنه من فرض شخصيته الحضارية والثقافية على محيطه الجيوستراتيجي.

لقد بنيت محددات منظومته التواصلية مع العالم المسيحي انطلاقا من أسس ومعايير إسلامية، ولكن بإرادة مغربية مستقلة. وكان ذلك هو لب التحول التاريخي الذي بصم الكيان المغربي وبوأه مكانة بارزة على الصعيد العالمي.

عن مجلة البشرى الإلكترونية

شاهد أيضاً

الموريسكيون في الأندلس

خليل إبراهيم السامرائي-[islamstory]-[البشرى]: نشأة الموريسكيين لم تنته مصيبة المسلمين في الأندلس بزوال سلطانهم السياسي ورحيل …