الرئيسية / الأسرة المسلمة / التفكك الأسري

التفكك الأسري

الحمد رب العالمين ، له الحمد كله ، سبحانه له الشكر له ,وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه زوما بك بغافل عما تعملون .
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، واشهد أن سيدنا محمد رسول الله الهادي البشير ، اللهم صل وسلك وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً . ثم أما بعد
اهتم الاسلام بالبناء وعمارة الكون ، وتكوين الأمم والشعوب والأفراد على أسس متينة ودعائم قويمة ، تلبي حاجات الفرد والجماعة ، ومن أهم هذه الأسس : عقيدة التوحيد ، وإصلاح الفرد والمجتمع ، وتنظيم المعاملات حسب الأحكام الشرعية ، والاهتداء بالأخلاق الإسلامية السامية ، ويمثل التحلل من تلك النظم حدوث خلل في المجتمع وأفراده ، ومن أهم المشكلات التي تمس الأسرة النواة الأولى والأهم في المجتمع ، مشكلة التفكك الأسرة كظاهرة اجتماعية تحتاج إلى معالجة دينية وشرعية ، تقوم على الثواب والعقاب والترغيب والترهيب .
التفكك الأسري هو : ضعف الروابط الأسرية ووهنها وإهدار الحقوق والواجبات ، مما يؤثر سلباً على الأسرة والأبناء.
أشكال التفكك الأسري
1- تفكك ظاهر: تففك واضح ومباشر نتيجة : (الطلاق- الخلع- الظهار- الإيلاء- اللعان).
2- تفكك غير ظاهر : تفكك خفي ، يوهم بوجود رابطة الأسرة ، دون وجودها.
أسباب التفكك السري ومخاطره
يمثل التفكك الأسري واحداً من أهم مظاهرة الحضارة الحديثة ، والمدنية الوافدة ، التي تحمل معها ضعف الروابط الاجتماعية بعمومها ، وتتنوع أسباب الأسري في مجتمعنا من أهمها :
1- غياب دور الأم والأب : لقد أمرنا الإسلام الحنيف بالحفاظ على أسرنا ووقايتهم من أخطار التفسخ والتمزق والغواية والضلال فقال تعالى{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم آية : 6. وبتخلي أحد الوالدين عن دوره وواجبه أو غيابه عن أبنائه يؤدي حتما إلى هلاكهم وضياعهم
ليس اليتم من مات أبواه ….ولكن اليتيم من له أم تخلت وأب وشغول
وكان من أمر خولة بنت الصامت رضي الله عنها في سورة المجادلة من التنبيه على خطر التفكك الأسر وغياب دور الآباء والأمهات، يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي ، تذكر الكلمات وتخشي على أبنائها وأسرتها التفكك والضياع ، ولسان حالها لنا أبناء إن ضمهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلى جاعوا ، فما العلاج والحل؟ .
2- صراع الأدوار: لقد خلق الله تعالى الرجل والمرأة وجعل لكل منهما وضيفة وعمل يؤديها في المجتمع ويقوم عليها في الأسرة ، فالرجل له القوامة وعليه الإنفاق ، والمرأة هي المربية المؤتمنة على ماله وعرضه وأبنائه ، وعندما تتداخل الأدوار ويحاول كل منهما أن يأخذ مكان الأخر أو أن يغير وظيفته يحدث صراع مرير يجني ثمرته الأبناء من الإهمال والضياع ، وسلوكهم أخلاقاً غير محمودة ، ولقد وعت هند بنت عتبة هذا الأمر عندما خطبها سهيل بن عمر وأبو سفيان ، فاختارت أبو سفيان البخيل الضراب للنساء على سهيل السهل المنفق ، وعللت ذلك الاختيار بأن أبا سفيان يولد له الزعماء لحزمه وجزمه وقوته وقدرته على الحفاظ على مكانته ودوره المنوط به .
3- الثقافات الوافدة والسلوكيات السلبية الدخيلة على مجتمعنا ، والتطوير السريع واالهائل في وسائل التواصل والإتصال ، التي أدت إلى المحاكاة والتشبه بالأمم دون الوعي والإنتباه إلى مصادر ومرجعيات الثقافة والحضارة الوافدة ، فشتان ما بين التوحيد الذي يوازن بين الروح والجسد ، والحضارة الغربية والشرية التي تغرق في ملذات الجسد ومتطلبات ، وتخرج الروح من حساباتها ، لذا نبه الله تعالى إلى ذلك { وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} الجاثية : 48.
4- تطور الوسائل والأدوات والأسباب ، دون الآخذ بمرجعتينا الثقافية والحضارية ، فتتداخل الأدوار ، وتتبدل المسؤوليات ، وتهدر الحقوق ، وتضيع الواجبات ، فالسيارة يقودها السائق ويلبي طلبات الزوجة ، والخادمة تقوم الزوج ، ويستغني كل منهما عن الأخر وينبه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى خطورة ذلك (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) البخاري برقم : 893.
5- الفقر والغني : يمثل الطرفان من الإحتياج والعوز إلى السعة الترف ، عاملان أساسيان في الترف والإنحلال وضعف الروابط الأسرية والتفسخ الخلقي والتفكك الأسري ، إذ أن الفقير في حاجة شديدة تحمله على ذلك ، والغني المترف لديه من دوافع الترف والمال أن يتحلل عن مسؤلياته ويعمل على تحقيق رغباته وملذاته ، وفي كلٍ تضعف الروابط الأسرية ، لذلك وازن الإسلام في تشريعاته المالية والأسرية بين الغلو والتفريط ، الى تعالى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } الحشر آية: 7.
6- نوع الأولاد : لقد خلق الله تعالى الإنسان من ذكر وأنثى ، وجعل عطاء الأولاد ما بين عقيم وخليطاً من ذكور وإناث ، أو اقتصار على الذكور أو الإناث : { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ -أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } الشورى: 49 ، 50 ، لكن المجتمع الإنساني يميل إلى حب الأولاد أكثر من البنات لإعتبارات حياتية ومعيشية ، بما يمثله الأبناء من قوة للآباء وحماية لهم ، ولقد نبهت المرأة العربية قبل الإسلام ، لما أنجبت البنات فتزوج زوجها بأخرى وأصبح لا يسأل عن بناته ، فتهيج الشعور الفطري عندها أن تتفكك الأسرة ويضيع بناتها فقالت
مالِ أب عمروٍ لا يأتينــــــــا ويأتي البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينـــــــــا تالله ما بأيدينـــــــــــــــــــا
نحن كالأرض ننبت البذر الذي حرث فينـــــــــــــا
إن الخطر الداهم من التفكك الأسري ، هو ضياع الأبناء والبنات وتحولهم إلى سلوكيات سلبيه ، تضر الأمة والمجتمع والإنسانية ، فجرائم المخدرات والمسكرات أساسها وقوامها التفكك الأسري وضعف الرقابة الأبوية ، وارتكاب الجرائم وتجاوز الحدود التي حرمها الله تعالى من أهم أسبابها تخلى الآباء والأمهات عن واجبهم ، وانعدام لحياة الأسرية القويمة .

العلاج :
إن الإسلام بشرعه الإلهي ، حدد الخطوات الواجب اتباعها في تكوين الأسرة ، والأسباب الباعثة على تماسكها وبقائها ، وتقديم الحلول وتذليل الصعاب وتيسير العقبات لضمان استمرار وبقاء الكيان الأسري باعتباره اللبنة الأولى لبناء المجتمع فبين الله تعالى أن أزواجنا وأولادنا هم أنفسنا { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} النحل 72. وأمرنا بالمعاشرة بالمعروف {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } ، واضح عند حدوث مشكلة أو نزاع يجب على المجتمع أن يتدخل حتى لا تتفكك الأسرة وتذهب ريحها ويضيع أفرادها {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} النساء 19، ثم شرع الطلاق كحل للمراجعة والعودة إلى الصواب وقياس أثر الضرر الناتج عن التفكك الأسري : {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} البقرة آية رقم : 229.
ويكفي إلى بيان الواجب على الأمة أن تحافظ على أسرها حديث النبي صلى الله عليه وسلم : إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، قال ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت صحيح مسلم برقم : 2813
ويمثل أهم مظاهر العلاج ما يلي :
1- القيام بالحقوق وأداء الواجبات بين الزوجة والأبناء ، كل فرد حسب مسؤولياته ومتطلباته.
2- الرقابة الأسرية على الأبناء والبنات ، في التواصل والإتصال في فضاء المعلومات والإنترنت والهواتف والأصدقاء .
3- اختيار البيئة المدرسية التي تعزز من الرابطة الأسرية ، وربطهم بالمؤسسات الإسلامية في الدعوة التعليم والتثقيف والتربية والسلوك .
4- الرضا بعطاء الله تعالى من المال والأبناء ، وضبط النفس في الفقر والغني ، والإنتباه للأبناء والأزواج والأسر ومراعاتها.
د . عصام عبدالغفار أبو عايد

عن مجلة البشرى الإلكترونية

شاهد أيضاً

*خبر السماء*

في عام الحزن أسرى الله تبارك وتعالى بنبيه إلى، البيت المقدس ثم أعرج به إلى …